عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
160
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
يتبدل الذكر الأنسي بالذكر القدسي ويشغله الفكر الحقيقي بالمذكور ويلهيه عن صورة الذكر فيعرف حقيقة قول السادة : إن ذكر اللسان هذيان وذكر القلب وسوسة . الشرط السادس : نفي الخواطر بأسرها برعاية صورة الذكر في معناه ولا يلتفت إلى تمييز الخواطر مضرة ظاهرة ، ويصيّره الشيطان من جملة وساوسه وخواطره بل الواجب الذكر ومعناه والمبالغة في تعظيمه وتعظيم جلسته مع اللّه تعالى ، قال اللّه تعالى « 1 » : « أنا جليس من ذكرني » ، ومراقبة القلب ومحافظته وظيفة الإحسان . فإن الإحسان على ما قاله النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 2 » . فإن التجريد يتيسر لمن أيد بصدق الإرادة والطلب في طرفة عين وأن يتيسر التفريد بمدة مديدة ، ومشقة تامة ، بواسطة نفي الخواطر . فإن جميع الأشياء المحسوسة التي استأنس بها المريد في ابتداء أمره وجاهليته والتي شاهدها ولم يستأنس بها مرتسمة في خياله ، فإذا جلس في الخلوة واشتغل بالذكر ، شوشت عليه الأمر والوقت ، تارة بنسخ الخواطر وإنشائها ، وتارة بمخالطتها بالمشاهدات الغيبية ومزاحمتها إياها ، وكذلك هواجس النفس ودواعي هواها وعلى كثرتها ، ووساوس العدو على اختلافها وكثرتها بوسيلة الهوى تكدر ينبوع القلب وتفرق حقيقة جمعية الباطن وتسلب عن المريد حلاوة الذكر الأكبر ، بل هو خلاصة أمر الخلوة وزبدة حقيقة المعاملة ووصول إلى حقيقة التفريد والأنس باللّه ، تبدل إلقاء الشيطان بإلهام الرحمن وحديث النفس بمكالمة القلب والروح والحق سبحانه ، أو بمناجاة القلب مع اللّه على اختلاف المراتب . واللّه أعلم . الشرط السابع : ربط القلب بالشيخ . وهو عبارة عن تعلق قلب المريد بالشيخ من جهة الإرادة التامة الكاملة حتى يتيقن أنه هو الذي يوصله إلى اللّه تعالى ، وأن هذه المرتبة والخاصية أعني أيضا له إلى اللّه غير ثابتة لأحد من المشايخ ، وإن كان كل واحد منهم موصوف بهذه الخاصية في حق غيره فإنه لو خطر ببال المريد أن في العالم أحدا يوصله إلى اللّه تعالى غير شيخه تصرف فيه الشيطان وأزعجه عن الخلوة لا سيما عند ظهور القبض والابتلاء وانسداد روزنة القلب ، وربما يبلغ هذا التصرف إلى أن يتمثل بصورة شيخه فيريه أشياء يفسد بها اعتقاده وإرادته ، فأما إذا استحكمت إرادته في حق شيخه كما قلنا يستحيل للشيطان التمثل بصورة الشيخ ، فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته ، وكما أن الشيطان لا يمكنه التمثل بصورة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - على ما
--> ( 1 ) أي في الحديث القدسي وقد سبق تخريجه . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .